التقنيات الحديثة والمناهج المبتكرة في التعقيم
التعقيم: التقنيات الحديثة والمناهج المبتكرة
Prof. Dr. P. Heeg
التعقيم عبارة عن عملية معالجة أي جسم للتخلص من الميكروبات الحية، ويشمل أيضاً التخلص من العناصر الناقلة للعدوى التي لا تدخل ضمن تصنيف الميكروبات مثل الفيروسات والبريونات. يعرف المرجع الأوروبي للصيدلة عملية التعقيم كإجراء يهدف إلى التخلص من الميكروبات بحيث تنخفض احتمالات العدوى إلى أقل من أو تصل على الأكثر إلى الواحد في المليون.
كان إدخال عمليات التعقيم ضمن التطبيقات الطبية في نهاية القرن التاسع عشر من العوامل الحاسمة التي ساهمت في نجاح العلاج الجراحي منذ هذا التاريخ. مازال يطبق المبدأ الذي ينص على أن أي منتج طبي يتلامس مع الأعضاء الداخلية للجسم أو يدخل إلى جوف الجسم أو إلى سوائل الجسم البشري لا بد أن يكون معقماً. تعتمد أساليب التعقيم التقليدية على المفعول الحراري الذي يؤدي إلى تغيير طبيعة البروتينات وبالتالي إلى قتل الميكروبات والفيروسات أو على الأقل وقف نشاطها.
خضعت صناعة المنتجات الطبية الحساسة إلى تطورات ضخمة في العقد الأخير تضمنت استخدام مواد تصنيع تتأثر بالحرارة بشكل متزايد، وبالتالي لا تلائم التعقيم الحراري، نذكر منها الألياف الضوئية وآلات التصوير والمعدات المصنوعة من البلاتين المطلي. هكذا أصبحت هناك حاجة متزايدة إلى تطوير أساليب تعقيم حديثة، تعمل تحت درجات أقل من 70 درجة مئوية وفي نفس الوقت تلبي متطلبات الأمان الخاصة بإجراءات التعقيم، وكذلك شروط الأمان في التطبيقات العملية.
أساليب التعقيم التقليدية
تشمل أساليب التعقيم التقليدية التي طبقت على مر العقود الماضية الأساليب التالية:
- أسلوب التعقيم بالحرارة الرطبة المعروف بتعقيم البخار
- أسلوب التعقيم بالحرارة الجافة المعروف بتعقيم الهواء الساخن
ولن يتناول هذا المقال أسلوب التعقيم بالإشعاع ( أشعة جاما وبيتا والإشعاع بالالكترونات) لأن استخدام تلك الأساليب يقتصر على صناعات المستحضرات الدوائية والمنتجات الطبية فقط.
عند التعقيم بالبخار توضع المعدات والأدوات داخل حجرة ضغط (موصدة) ويجري تسخينها بالبخار المضغوط والمشبع. من الأساليب المعيارية المطبقة هنا تسخين البخار حتى 121 درجة مئوية مدى 15 دقيقة متواصلة، أو تسخين البخار حتى 134 درجة مئوية مدى ثلاثة دقائق متواصلة. مازال أسلوب التعقيم بالبخار الرطب يمثل أكثر أساليب التعقيم المطبقة في المجال الطبي، ففوائده واضحة: أكثر من 100 عام من الخبرة في فاعلية هذا الأسلوب وذلك بالإضافة إلى تقدم الوسائل التكنولوجية في العصر الحديث (التحكم الالكتروني في الإجراءات)، إلى جانب أقصى درجات الأمان، وعدم وجود أخطار سمية، وتحمل مواد التصنيع العالي، والكفاءة الاقتصادية، والمحافظة على البيئة، بغض النظر عن استهلاك الطاقة الضخم. إلى جانب تعقيم المواد المعدنية (في معظم الحالات تصنع من الفولاذ النقي)، يلائم أسلوب التعقيم بالبخار الرطب كذلك معالجة المعدات الزجاجية والخزفية والمنسوجات والكاوتشوك والكثير من المواد الاصطناعية مثل البولي اثيلين منخفض الإنضغاط والكاربونات المتعدد والبروبيلين المتعدد والكلوريد متعدد الفينيل.
أما عند التعقيم بالهواء الجاف فيجب، استخدام درجات حرارة أعلى قد تصل إلى 160 درجة مئوية، وذلك بسب مقدار الطاقة المنخفض في الهواء مقارنة بالبخار الرطب. فبينما يصاحب تكاثف البخار فوق سطح المعدات البارد أثناء التعقيم بالبخار الرطب بإطلاق مقدار ضخم من الطاقة خلال فترة قصيرة جداً في شكل طاقة مكثفة، يتم انتقال الحرارة أثناء التعقيم بالهواء الجاف عن طريق الحملان. قد يمكن تعجيل عملية التسخين عن طريق مراوح هوائية ومع ذلك يتطلب التعقيم الفعال بالهواء الجاف فترات أطول (3 دقيقة عند درجة حرارة 180 درجة مئوية). بالإضافة، تتطلب عملية التعقيم فترة توازن أكثر لكي تصل درجة الحرارة في جميع أجزاء الجسم الخاضع للتعقيم إلى الحرارة المطلوبة. لكن مع صعوبة إجراءات التحكم ومراقبة هذا الأسلوب وارتفاع نسبة الخطر أصبح تطبيق أسلوب التعقيم بالهواء الجاف محدوداً للغاية في المجال الطبي.
أسلوب التعقيم تحت درجات الحرارة المنخفضة
طور منذ فترة قصيرة أسلوب التعقيم باستخدام غاز أكسيد الإيثيلين أو الفورمالدهايد على شكل بخار الفورمالدهايد ذي درجات الحرارة المنخفضة من أجل معالجة المنتجات الطبية التي تتأثر بالحرارة. يستخدم أكسيد الإيثيلين في تعقيم أكثر من 80% من المعدات الطبية أحادية الاستعمال التي تتأثر بالحرارة. من فوائد هذا الأسلوب درجات حرارة التعقيم المنخفضة التي لا تتعدى 60 درجة مئوية، بالإضافة إلى المقدرة العالية على التخلل بحيث يمكن تعقيم أجزاء من المعدات الطبية قد لا يصل إليها الغاز مباشرة. أما عيوب التعقيم بغاز أكسيد الإيثيلين فتتمثل في سمية الغاز الذي يعتبر مسرطناً ومطفراً وماسخاً أيضاً، خاصة بالنظر إلى قواعد الوقاية أثناء العمل، والتحكم في مستويات التركيز المسموح بها. تكفل معدات التعقيم الحديثة وقاية المرضى والعاملين من المخاطر الصحية التي قد تسببها الرواسب الضارة، وتوفر كذلك إجراءات التخلص من الغاز من خلال وسائل محافظة على البيئة. يطبق أسلوب التعقيم ببخار الفورمالدهايد عامة تحت درجات حرارة تقل عن 60 درجة مئوية. وبما أن الفورمالدهايد لا يؤثر عامة سوى على الأسطح الخارجية، يعتبر التخلص من الرواسب المتبقية على سطح المعدات المعقمة أسهل ولا يستغرق وقتاً طويلاً مقارنة بأسلوب التعقيم بغاز أكسيد الإيثيلين.
أساليب حديثة للتعقيم تحت درجات الحرارة المنخفضة
أدى ابتكار مواد جديدة تستخدم في تصنيع المعدات الطبية الحديثة إلى تطوير وسائل تعقيم تتفوق على الأساليب التقليدية على الأخص بالنظر إلى العوامل التالية:
- دورات العمل القصيرة
- خالية من مرحلة الالتفاظ
- خالية من الرواسب السامة
- لا تتطلب إجراءات خاصة للتخلص من الغاز
التعقيم بغاز بيروكسيد الهيدروجين والبلازما (Sterrad ®)
يعتمد هذا الأسلوب على استخدام غاز بيروكسيد الهيدروجين تحت درجات حرارة تتراوح ما بين 45 – 55 درجة مئوية وتحت ضغط منخفض نسبياً يتراوح ما بين 0,8 – 1,3 باسكال. كما يقوم مجال مغناطيسي عالي التردد بتوليد وسط من البلازما داخل حجرة التعقيم. تختم دورة التعقيم بعملية توازن الضغط أو تهوية تعمل على تحويل الجذريات الحرة وكذلك غاز بيروكسيد الهيدروجين إلى ماء وأكسجين، وبالتالي يمكن الحصول فوراً على المعدات المعقمة واستخدامها في الإجراءات الطبية. يعتمد منهج التعقيم على الجذريات الحرة في البلازما وعلى الأشعة فوق البنفسجية التي تصدرها البلازما. بالإضافة إلى درجات الحرارة المنخفضة التي تستخدم في هذا الأسلوب، يتميز التعقيم بغاز بيروكسيد الهيدروجين بأن نسبة الرطوبة في خليط الغاز لا تتعدى 5% وبالتالي يلائم تعقيم المواد التي تتأثر بالرطوبة. يعمل أسلوب Sterrad ® NX الذي طور حديثاً على زيادة نسبة تركيز محلول بيروكسيد الهيدروجين من 59% إلى 85 وحتى 95% . أثبتت مجموعة العمل تحت أشراف Prof. Borneff-Lipp بالمستشفيات الجامعية بمدينة Halle كفاءة هذا الأسلوب في تعقيم التجويف الداخلي في الآلات سواء القصيرة أو الطويلة منها (الجدول 1 ). أثبت أسلوب Sterrad ® كفاءة في التعقيم ليس فقط من خلال القضاء على الميكروبات والفيروسات، بل كذلك في التخلص من البريونات. وقد أثبتت الدراسة التي أجرتها أحد مجموعات العمل لدينا على الحيوانات كفاءة أسلوب Sterrad ® 100S في وقف نشاط البريونات إلى درجة ملحوظة بعد تعريض المعدات مسبقاً إلى التنظيف باستعمال وسط قاعدي (قيمة باهاء PH أكثر من 10).
أما أسلوب Sterrad ® NX فنجح في تعطيل نشاط البريونات دون معالجة سابقة بالوسط القاعدي. يمثل هذا المفعول أهمية خاصة في التطبيقات الإكلينيكية التي يتوقع فيها انتشار العدوى بالبريونات ( مثل طب العين والجراحة العصبية وطب الأنف والأذن والحنجرة).
ويجب هنا الإشارة إلى أن مصنعي الغرسات الاصطناعية ينصحون في معظم الحالات بعدم معالجة الغرسات بهذا الأسلوب. ولا يلائم هذا الأسلوب تعقيم المنسوجات والمواد المصنوعة من السليلوز (الورق) لأنها تمتص غاز بيروكسيد الهيدروجين. لذلك يجب في هذه الحالة استعمال مواد تغليف من ألياف البولي ايثيلين عالي الإنضغاط ( (Tyvek®.
لا يلائم هذا الأسلوب كذلك تعقيم الحاويات المصنوعة من المعدن لأنها تمنع انتشار المجال المغناطيسي (حيز فاراداي).
التعقيم بأبخرة غاز بيروكسيد الهيدروجين (Amsco® V-Pro® 1-)
يتم التعقيم هنا ببخار غاز بيروكسيد الهيدروجين المضغوط تحت درجات حرارة منخفضة (درجة حرارة الدورة 50 درجة مئوية) دون تكوين البلازما. ومثل أسلوب التعقيم بغاز بيروكسيد الهيدروجين والبلازما يصاحب تطبيق هذا الأسلوب عدة قيود خاصة بالمعدات ذات جوف ضيق (مثلاً الفولاذ 2 × 250 مم أو 3 × 400 مم). أما فيما يتعلق بامتصاص غاز بيروكسيد الهيدروجين وتأثيره على مواد التغليف، فتنطبق هنا نفس القيود سابقة الذكر.
المقارنة بين أسلوب التعقيم بغاز بيرو كسيد الهيدروجين والبلازما وبين أسلوب التعقيم بأبخرة غاز بيرو كسيد الهيدروجين
قمنا بإجراء مقارنة عملية لأسلوبي التعقيم بغاز بيروكسيد الهيروجين، مع مراعاة المواصفات التالية:
- كفاءة الأداء البيولوجي
- موثوقية المؤسسة
- أسلوب التشغيل
- تكلفة التعقيم مع حساب التكلفة الفعلية لكل حمولة
- العوامل الزمنية مع حساب زمن تحضير الأجهزة للتشغيل مثل التسخين الأولي واختبار الخواء والتحميل
عند اختبار كفاءة الأداء البيولوجي قمنا تعمداً بوضع شروط تتعدى المتطلبات العملية وتتعدى كذلك خصائص المعدات المذكورة بهدف التعرف على أقصى إمكانيات الأسلوب.
يطبق بالمستشفى أسلوب التعقيم بغاز بيروكسيد الهيدروجين تحت درجات حرارة منخفضة في المقام الأول لمعالجة المعدات البصرية الصلبة والمرنة. أما منظار الحالب والكلية المرن في طول 85 مم وقطر 1 مم، فيعد من أصعب المعدات الطبية على الإطلاق في التعقيم. طبق الاختبار على اثنين من المعدات الأصلية بعد تعريتها (الصورة 1)، وطبق كذلك على أنابيب PTFE ذات أحجام مختلفة، بعضها ذات تجويف مغلق من طرف واحد وقطر داخلي 1,5 مم على الأقل. كما تم استخدام صوان بها أدوات معدنية وحشوات مصنوعة من السليكون كحمولة للاختبار.
نجحنا في أجراء التعقيم داخل الجهازين بعد فحصهما طبقاً للمواصفات التي حددها المصنع، وذلك خلال نصف دورة وبالتالي تلبية احتياجات المستخدم. وحتى بالرغم من تعدي الجهازين للحدود التي وضعها المصنع، ينصح دائماً بمراعاة تلك الحدود.
ويجب هنا الإشارة إلى أن الجهازين يحتويان على شاشة تعرض جميع البيانات الهامة ويوفران إمكانية توثيق الإجراءات المطلوبة عن طريق نظم معالجة البيانات القائمة. ومن أجل الوقاية ضد حدوث أي أضرار بالمعدات ينصح دائماً بعمل اختبار ملائمة أسلوب التعقيم لمعالجة المعدات المطلوبة، وهي خدمة يقدمها معظم مصنعي المعدات. وبما أننا لم نستطع اكتشاف أي اختلاف ذي أهمية بين الأسلوبين من حيث سهولة التشغيل والأمان أثناء الاستخدام، يعتمد اختيار الأسلوب على العوامل الاقتصادية في المقام الأول. يعني ذلك أنه يجب أولاً تحديد تكلفة التشغيل وتكلفة الاستثمار الخاصة بكل موقع قبل اختيار نظام التعقيم داخل أي مؤسسة.
أهمية عملية التعقيم ضمن إجراءات تحضير المعدات الطبية
عند النظر إلى كفاءة أساليب التعقيم العصرية ومستويات الأمان العالية التي توفرها، يجب الانتباه دائماً إلى أن التعقيم ليس سوى خطوة واحدة من عدة خطوات هامة لتحضير المعدات الطبية الحساسة. وبالرغم من أهمية تطبيق أساليب تعقيم معايرة وقابلة للتوثيق، تلعب الخطوات السابقة مثل الغسل والتنظيف والتطهير الذي يتم داخل أجهزة آلية (المغاسل المطهرة) دوراً هاماً كذلك. فلا يمكن توثيق مصدوقية إجراءات التحضير التي تتم يدوياً بل على الأقصى معايرتها، وبالتالي لا يسمح بتطبيقها إلا في حالات استثنائية. فدور التنظيف ليس فقط التخلص من الملوثات العضوية (مثل الدم وبقايا الأنسجة)، بل يعمل أيضاً على خفض عدد الميكروبات. كما تلعب خطوات التطهير دوراً هاماً في حماية العاملين في أقسام التحضير ضد العدوى، إلى جانب خفض نسبة التلوث البيولوجي قبل تعريض المعدات إلى التعقيم. لا يسمح سوى بتعقيم المعدات النظيفة والجافة فقط، فكلما انخفضت درجة التلوث بالميكروبات قبل التعرض للتعقيم، ترتفع درجات الأمان وتزيد احتمالات الحصول على التعقيم الفعال.


