جراحة الحد الأدنى من البضع في سرطان البروستاتة

جراحة الحد الأدنى من البضع في سرطان البروستاتة

P. Albers, R. Rabenalt

المقدمة
يعتبر سرطان البروستاتة أكثر الأورام الخبيثة التي تصيب الذكور في الدول الغربية.، فيصل معدل الوفيات في تلك الدول نتيجة للإصابة بأورام البروستاتة الخبيثة إلى 10,1% من جميع الإصابات، ويعادل متوسط العمر عند الإصابة 69 عام، ونادراً ما يصاب الذكور قبل عمر 50 عام.

تصاحب إصابة الذكور بسرطان البروستاتة بالعديد من العواقب الاجتماعية والاقتصادية السلبية، ويرتفع معدل الإصابة مع تقدم العمر حيث تمثل 25,4% من جميع الأورام السرطانية في ألمانيا. هذا وتشير العديد من التقديرات إلى توقع زيادة معدل الإصابة بسرطان البروستاتة في الدول الغربية إلى 30%.

article image

مبزل واحد فقط يستخدم في جراحة المنظار أحادية الموضع بطريق البطن


نشأة المرض
لم يمكن حتى الآن التعرف تماماً على نشأة المرض. فمن المعتقد مثلاً أن إصابة الذكور في السن المبكر ترجع إلى عوامل وراثية، وهو ما يشير إليه أيضاً اختلاف معدل الإصابة بسرطان البروستاتة في المجموعات العرقية المختلفة. كما تعد السمنة المفرطة والنظام الغذائي الخاطئ الغني بالدهنيات والسعرات العالية، بالإضافة إلى قلة الحركة الجسدية والتدخين من العوامل الأخرى التي ترفع من خطر الإصابة.

تمثل الإصابات في المناطق الطرفية من البروستاتة 70 – 95 % من جميع أورام البروستاتة، بينما تندر الإصابات التي تبدأ في المناطق المركزية منها. أما من وجهة النظر الهستولوجية، فتعتبر السرطانة الغدية من أكثر الأورام التي تصيب البروستاتة. تتوافر عدة نظم للتمييز بين درجات الورم المختلفة، فتصنف مثلاً الدرجات 1 و2 و3 (درجات عالية التمايز ومتوسطة التمايز ومنخفضة التمايز) طبقاً لمعايير منظمة الصحة العالمية.
أما نظام التصنيف حسب حرزGleason الذي يعتبر من أكثر النظم المستخدمة والمعترف بها على المستوى العالمي، فيعتمد على تقييم نمط نمو أنسجة الورم مع مراعاة الاختلاف الطبيعي في الأنسجة داخل البروستاتة. يتم تقييم نمط نمو الورم في درجات من 1 (تمايز عالي) وحتى درجة 5 (تمايز ضعيف جداً). وبما أن الكثير من الأورام تحتوي على عدة أنماط مختلفة من النمو داخل نفس الورم، يتم غالباً تقييم الورم طبقاً للنمط الأكثر انتشاراً داخل الورم والنمط الذي يليه ثم جمع النقاط: هكذا يمكن الحصول على رقم محدد يعرف بحرز Gleason ويتكون من رقمين (2= 1+1، وحتى 10 = 5+5).

من ناحية أخرى تعتمد مراحل المرض في المقام الأول على مدى امتداد الورم وعلى مدى إصابة العقد اللمفية وعلى انتشار النقائل في مناطق الجسم الأخرى. تصنف مراحل المرض طبقاً لعدد من النظم المختلفة والتي تماثل في النهاية بعضها البعض إلى حد بعيد. ينتشر في ألمانيا عامة استخدام نظام UICC، بينما تصنف مراحل أورام البروستاتة في التطبيقات اليومية طبقاً لتصنيف TNM بالإضافة إلى التصنيف الهيستولوجي للورم. من خلال انتشار أساليب الفحص والتشخيص الدقيقة، وعلى الأخص تطبيق اختبار PSA، أصبحت الكثير من أورام البروستاتة تشخص في مراحل مبكرة لا تزال فيها الإصابة موضعية فقط.

العلاج الجراحي
يعتبر استئصال البروستاتة الجذري الأسلوب الذهبي في علاج سرطان البروستاتة الموضعي جراحياً. تضم الأساليب الجراحية عدة تطبيقات مختلفة بداية من الأسلوب التقليدي للجراحة المفتوحة (عن طريق المدخل خلف العانة أو المدخل العجاني) وحتى أسلوب الجراحة بالمداخلة البسيطة (المدخل عبر الصفاق أو المدخل خارج الصفاق)، لكنها تصاحب باحتمالات التعرض للتأثيرات الجانبية التي تشمل السلس والعنانة. ومن أجل خفض خطر إصابة المريض بمثل تلك المضاعفات بعد الجراحة إلى الحد الأدنى، تم تطوير أساليب الجراحة القائمة وإضافة أساليب جراحية جديدة تحافظ على الأعصاب. هكذا شهد العلاج الجراحي لحالات سرطان البروستاتة الكثير من التغييرات الهامة في السنوات الأخيرة. فقد كان أسلوب الجراحة المفتوحة لاستئصال سرطان البروستاتة الموضعي بالمدخل خلف العانة الأسلوب المعياري حتى 10 إلى 15 عام ماضية. لكن بعد قيام Schüssler et al. عام 1992 بتطوير أسلوب الجراحة عن طريق منظار البطن، يتوافر الآن أسلوباً إضافيا للجراحة. شهد هذا الأسلوب الجديد الذي يعتبر من أساليب المداخلة البسيطة تقدماً جوهرياً عندما قام كل من Vallancien و Guillonneau et al. بتطبيقه بشكل روتيني. وقد زاد الاهتمام بهذا الأسلوب وانتشر تطبيقه في جراحات كثيرة على أثر النتائج الإيجابية التي حققوها.


نتيجة التطوير المستمر الذي تشهده أساليب الجراحة بالمداخلة البسيطة أمكن إضافة منهج الدخول عبر فتحات الجسم الطبيعية، وبالتالي تطبيق الجراحة دون قطع أو ندبات، وهو المنهج المعروف بأسلوب NOTES (Natural Translumninal Endoscopic Surgery). لكن عدم معايرة هذا الأسلوب وكذلك حدوث عدة مشاكل على الأخص من حيث الأمان وانغلاق المدخل، ساعد على الحد من انتشار تطبيق هذا الأسلوب. وعلى الرغم من ذلك، فقد ساهم تطوير منهج الجراحة عبر مدخل صغير إلى زيادة الاهتمام بأساليب الجراحة بالمنظار عن طريق فتحة واحدة فقط.

بعد توافر عدة تفسيرات مختلفة لمنهج جراحة المدخل الواحد والذي أدى في بعض الأحيان إلى الالتباس، أضيف مصطلح جراحة المنظار أحادية الموضع بطريق البطن(Laparo-Endoscopic Single-Site Surgery, LESS) . نشر عام 2007 لأول مرة تقريراً عن الجراحة بالمداخلة التنظيرية عبر البطن. طبق الأسلوب الجديد في العديد من جراحات الكلية منذ ذلك الوقت مثل استئصال الكلية الجزئي أو الكلي، وكذلك العديد من الجراحات في الحوض الصغير مثل استئصال الأورام الغدية. هذا وقد كان Kaouk أول من نشر تقريراً عن استئصال البروستاتة الجذري عبر الصفاق.
طبق أسلوب الجراحة بالبضع الأدنى بالمدخل الأحادي من خارج الصفاق في استئصال البروستاتة الجذري لأول مرة في العالم بالمستشفيات الجامعية بدوسلدورف. استخدم هذا الأسلوب آنذاك في علاج مريض عمره 74 عام بعد إصابته بسرطان البروستاتة الموضعي. كشف الفحص الذي أجري قبل الجراحة عن قيمة المستضد النوعي للبروستاتة تعادل 9,9 نانو جرام/ملي لتر، وحرز غليسون يعادل 3+3 = 6. وضع المريض أثناء الجراحة في وضع Trendelberg بدرجة ميل 10 درجات.

وعلى عكس أساليب الجراحة بالمنظار أو أساليب الجراحة بتنظير البطن والتي تتطلب وضع حتى خمسة مبازل في المنطقة السفلية من البطن، تحتاج جراحة المنظار أحادية الموضع بطريق البطن استخدام مبزل واحد فقط (صورة 1). بالإضافة إلى ذلك يتم عمل قطع طوله 2 سم في الجلد على الخط النصفي من المنطقة أسفل السرة. بعد ذلك يتم فتح اللفافة المستقيمة وفصل أنسجة العضلة المستقيمة البطنية بالتشريح الكليل من أجل كشف الأنسجة الخلفية باللفافة المستقيمة. بعد ذلك يتم تكوين حيز أمام الصفاق باستخدام الإصبع ثم باستخدام مبزل بالوني.

article image

إدخال البوابة الثلاثية بعد إزالة المبزل


بعد إزالة المبزل البالوني يتم إدخال البوابة الثلاثية (صورة 2). تتكون البوابة الثلاثية من قثطار قطره 12 مم وقثطارين بقطر 5مم، وكذلك قثطار للنفخ، وتسمح بإدخال اثنتان من الأدوات بالإضافة إلى آلة التصوير. هنا استخدمت آلة تصوير 5مم و30 درجة مزودة بمقبض قابل للثني وكذلك أدوات التنظير المستقيمة والمقوسة (صورة 3). تطبق بعد ذلك خطوات الجراحة التنظيرية من خارج الصفاق في استئصال البروستاتة الجذري.

استخدمت أدوات صلبة وكذلك أدوات مقوسة أثناء الجراحة، مما سمح بإبعاد الأنسجة بدرجة وافية وتوفير مساحة كافية بين الأدوات من أجل عمل التشريح. بعد فتح اللفائف داخل الحوض وفصل الرباط العاني البروستاتي، تم ربط الضفيرة السنتورينية، ثم فتح عنق المثانة وخلع القثطار الذي وضع داخل المثانة.

 

ومن أجل الحصول على شد كاف بالقثطار تم غرز إبرة مستقيمة وخيط Vicryl من الخارج عبر جدار البطن ثم عبر القثطار وفي النهاية سحبها من الجهة الأخرى. بعد ذلك تم فصل عنق المثانة تماماً. شملت الخطوة التالية فصل القناة الناقلة للمنى وتحريك الحويصلة المنوية على الجانبين. في النهاية تم شق اللفافة الدينونيفية وتحضير المستقيم وفصل دعائم البروستاتة. بعد تحريك البروستاتة تماماً تم تسليخ الإحليل ووضع الأنسجة داخل كيس الاستخراج وإزاحته إلى موضع جانبي داخل الحوض الصغير. بعد ذلك أجريت المفاغرة بين الإحليل والحويصلة من خلال تسعة غرز فردية ثم اختبار إحكام المفاغرة التام عن طريق ملء المثانة بمقدار 200 مل لتر من المحلول الملحي للتحقق من عدم حدوث أي تسرب. بعد إزالة البوابة الثلاثية تم سحب كيس الاستخراج وما يحتويه من أنسجة خارج موضع المبزل. في نهاية الجراحة أغلق موضع البوابة.

أستغرق هذا الأسلوب الجراحي 290 دقيقة، حيث تطلب استئصال البروستاتة 190 دقيقة بينما استغرقت المفاغرة ما يقرب من 100 دقيقة. يقدر مقدار النزف بحوالي 100 ملي لتر، ولم تحدث أية مضاعفات أثناء الجراحة أو بعدها. ثبت إحكام المفاغرة التام عند تصوير المثانة في اليوم السادس بعد الجراحة، وبالتالي أمكن إزالة القثطار. بعد عمل الفحص الهيستولوجي، شخصت الإصابة بسرطان البروستاتة على الجانبين دون أي تخلل للمحفظة وصنفت الحالة 3+4=7 حسب حرز غليسون.

article image

استعمال آلات مستقيمة وأدوات مقوسة في الجراحة


نتائج الجراحة
عند الفحص ثبت خلو حواف القطع تماماً من الورم، هذا وقد أشار المريض بعد ثلاثة أسابيع من الجراحة إلى أن السلس المتبقي بسيط للغاية، ولم يعاني المريض من أية اضطراب من حيث التئام الجرح .

حققت السلسة الواسعة من الأساليب التنظيرية المطبقة نتائج ممتازة في علاج سرطان البروستاتة. يمكن استخدام حتى خمسة مبازل في جراحة استئصال البروستاتة الجذري. يقترن إدخال المبزل بزيادة خطر الإضرار بالأعضاء بالإضافة إلى التأثير السلبي على المظهر الخارجي نتيجة البضع المتعدد، مما أدى إلى تطوير أسلوب البوابة الأحادية الذي يتطلب معدات خاصة وكذلك تطبيق أسلوب خاص لوضع المبزل.

تعتبر الزوايا الغير مناسبة التي توضع فيها الأدوات في بعض الأحيان من أكثر المشاكل التي تنشأ أثناء الجراحة. يظهر ذلك على الأخص عند عمل خياطة المفاغرة والتي تتسبب في إطالة زمن الجراحة مقارنة بالأساليب التقليدية.

هذا وقد أشار Kaouk et al.إلى أن سلسلة من أربعة جراحات لاستئصال البروستاتة الجذري عبر الصفاق استغرقت في المتوسط 4,75 ساعات، تم فيها عمل المفاغرة بين الإحليل والحويصلة عن طريق العقد من خارج الجسم. وأصيب مريضاً واحداً بعد الجراحة بالناسور المستقيمي المثاني.

أما الجراحة الأولى التي أجريناها في المستشفيات الجامعية بدوسلدورف، فقد استغرقت 290 دقيقة، وتم خياطة المفاغرة بالكامل داخل الجسم، ولم تتطلب الجراحة استخدام مبازل إضافية. هذا ومن الجدير بالذكر أن المريض لم يصاب بأية مضاعفات سواء أثناء الجراحة أو بعدها.


الخلاصة
أسلوب الجراحة بالمداخلة البسيطة عبر بوابة أحادية قابل للتطبيق، لكنه يستدعي تطوير المعدات المستخدمة في نظم المبازل من أجل معايرة مثل تلك الأساليب وجعلها قابلة للتناتج. بالإضافة إلى ذلك، يجب عمل الدراسات المستقبلية من أجل تقييم النتائج الوظائفية والسرطانية، وكذلك الفوائد التي قد يحققها هذا الأسلوب مثل خفض الإضرار بالأنسجة وخفض الألم، ومن ثم تحديد قيمة جراحة استئصال البروستاتة الجذرية بالمنظار أحادية الموضع بطريق البطن.