التخدير أثناء جراحات السمنة
التخدير أثناء جراحات السمنة
H.W. Gervais et al.
مرض السمنة المفرطة يعتبر من الأمراض التي يتزايد انتشارها في العصر الحاضر بصورة متواصلة، فأكثر من 5% من المواطنين الأمريكيين مثلاً مصابون بالسمنة المرضية ( حيث يرتفع منسب كتلة الجسم BMI عن 40 كجم/ متر مربع) ويتوفى مواطناً أمريكياً واحداً كل 90 ثانية نتيجة للإصابة بالسمنة المرضية، مما يعادل 1000 حالة وفاة يومياً أو 400 ألف حالة وفاة في العام. أدى هذا الوضع الجديد إلى ارتفاع شديد في عدد المرضى الذين يرغبون علاج السمنة بالأساليب الجراحية وبالتالي إلى زيادة الحاجة إلى وسائل تخدير ملائمة لهؤلاء المرضى.
تواجه وسائل التخدير المختلفة مصاعب عديدة في حالات السمنة المرضية، ولذلك سوف يتناول هذا المقال مناقشة ثلاثة من المشكلات الرئيسية التي يواجهها أطباء التخدير أثناء جراحات السمنة المفرطة وهي:
- رعاية الرئة والتنفس
- تدابير المجرى الهوائي
- المعالجة الدوائية
رعاية الرئة والتنفس
ارتفاع منسب كتلة الجسم يؤدي إلى انخفاض سعة الرئة وإلى الحد من آليات التنفس وتركيز الأكسجين في الدم، حيث تنخفض السعة الوظيفية المتبقية والمطاوعة الرئوية، بينما ترتفع المقاومة والجهد الرئوي، مما يؤدي في النهاية إلى التأثير على نسبة تركيز الأكسجين في الدم ومن ثم يمثل أحد التحديات الرئيسية التي تواجهها إجراءات تخدير المريض. هكذا يواجه طبيب التخدير المسئول مصاعب في بداية التخدير ونهاية دخول المريض في حالة التخدير وكذلك مواصلة التخدير أثناء الجراحة. فمن ناحية يجب على طبيب التخدير التأكد من توفير مخزون واف من الأكسجين في بداية عملية التخدير، ومن ناحية أخرى يتعرض المريض إلى خطر الإصابة بالانخماص الارتشافي المتزايد وانخفاض تركيز الأكسجين بالدم، على الأخص في الحالات التي يستخدم فيها تركيز عالي من الأكسجين الشهيقي في حالات السمنة المفرطة مقارنة بالمرضى ذوي الوزن الطبيعي.
تعتبر إجراءات تخدير المريض التقليدية مع التهوية المؤقتة من الإجراءات التي قد تعرض المريض المصاب بالسمنة المفرطة إلى خطر شديد أثناء جراحات السمنة، وبالتالي نعتقد أنها من الإجراءات التي يمنع تطبيقها في هذه المجموعة من المرضى – وعلى الأخص لأن ما يقرب من 30% من هؤلاء المرضى مصابين بمرض الجزر المريئي.
وبغض النظر عن المشكلات المتوقعة أثناء تنبيب المرضى المصابين بالسمنة المفرطة، تعتبر مشكلة تحريض التخدير بالتتابع السريع دون التهوية المؤقتة والتي تعتبر من الإجراءات الموصى بها في مثل تلك الحالات، تعتبر من عوامل تعرض المريض إلى الخطر حيث أن هؤلاء المرضى لا يتحملون حتى أقصر فترات انقطاع النفس. فعلى الرغم من تطبيق الأكسجة المثالية المسبقة يتعرض مرضى السمنة المفرطة إلى انخفاض تركيز الأكسجين بصورة أسرع من المرضى الغير مصابين بالسمنة بسبب انخفاض السعة الوظائفية المتبقية وارتفاع استهلاك الأكسجين. تحقق الأكسجة المسبقة في المرضى ذوي الوزن الطبيعي واستهلاك الأكسجين المتوقع بما يقرب من 250 مل لتر/ دقيقة، مخزون من الأكسجين يعادل حوالي 2200 مل لتر. يكفل هذا المخزون توافر الأكسجين للاستهلاك فترة 10 دقائق. أما في حالات السمنة المرضية، فيحدث نقص التأكسج بعد ثلاثة دقائق فقط. من ناحية أخرى ينشط تركيز الأكسجين المرتفع أثناء تحريض التخدير عملية الانخماص. يمثل الانخماص الذي يحدث أثناء تحريض التخدير أهمية خاصة ليس فقط في الفترة حول الجراحة، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى زيادة احتمالات الإصابة بالأمراض في الفترة التالية للجراحة ومنها المضاعفات التي تصيب الرئة مثل الالتهاب الرئوي.
أما في المرضى ذوي الوزن الطبيعي، فيعمل خفض تركيز الأكسجين الشهيقي إلى 0،8 إلى خفض مدى الانخماص، لكنه يصاحب باختصار فترة انقطاع النفس وانخفاض تركيز الأكسجين (عند انخفاض تركيز الأكسجين بالدم عن 90%) بما يعادل حوالي 25%. تقل فترة انقطاع النفس مرة أخرى في حالات السمنة المفرطة عند انخفاض كسر الأكسجين الشهيقي عن 1. وعلى الرغم من ذلك فقد يمكن الوقاية إلى حد بعيد ضد حدوث الانخماص مباشرة بعد التنبيب بغض النظر عن وزن الجسم وفي حالة انخفاض كسر الأكسجين الشهيقي إلى 1 وذلك عن طريق تطبيق ضغط السبيل التنفسي الإيجابي المتواصل أثناء الأكسجة المسبقة واستخدام ضغط الضغط الزفيري الانتهائي الإيجابي (10 سم ماء). هذا وقد أشارت الدراسات التي أجريت على مجموعة من المرضى (متوسط منسب كتلة الجسم 47 كجم/ متر مربع) إلى نجاح هذا الأسلوب في إطالة فترة انقطاع النفس دون الإصابة بنقص التأكسج بما يعادل حوالي 50% من دقيقتان إلى ثلاثة دقائق. يلعب الجمع بين ضغط السبيل الهوائي الايجابي المتواصل أثناء فترة الأكسجة المسبقة (التنفس التلقائي) وتطبيق الضغط الزفيري الانتهائي الإيجابي مباشرة بعد التنبيب (التهوية الصناعية) دوراً هاماً حيث ثبت عدم حدوث أي إطالة في الفترة الخالية من نقص الأكسجة في الحالات التي طبق فيها أسلوب الأكسجة المسبقة مع الضغط الإيجابي المتواصل ودون تطبيق التهوية الضغط الزفيري الانتهائي الإيجابي فيما بعد. بالإضافة يمكن تحسين مخزون الأكسجين في الدم عن طريق استلقاء المريض في وضع خاصة أثناء تطبيق الأكسجة المسبقة: ففي حالة الوزن الطبيعي مثلاً ينجح مجرد رفع رأس المريض حتى 20 درجة في إطالة فترة انقطاع النفس حتى انخفاض تركيز الأكسجين في الدم إلى أقل من 95% إلى حوالي 386 ثانية مقارنة بما يقرب من 283 ثانية في حالة وضع رأس المريض المستوي. ينطبق ذلك أيضاً على المرضى المصابين بالسمنة المفرطة، حيث ينجخ رفع وضع الرأس إلى 25% درجة أثناء الأكسجة المسبقة في إطالة فترة انقطاع النفس حتى انخقاض تركيز الأكسجين أقل من 92% إلى 201 ثانية مقارنة بما يقرب من 155 ثانية عند وضع الرأس في وضع مستوي. بالإضافة إلى ذلك، يساهم رفع وضع الرأس في تحسين الضغط الجزئي للأكسجين في الدم الشرياني من 360 إلى 442 مم زئبق.
من الأساليب الأخرى التي تطبق أثناء تحريض التخدير بهدف الوقاية ضغط انخفاض التأكسج ضخ الأكسجين عن طريق الأنف بشكل متواصل أثناء الفترة ما بين الأكسجة المسبقة تنبيب القصبة. هكذا أمكن في معظم الحالات تقريباً الحفاظ على نسبة 100% متواصلة من تركيز الأكسجين في الدم أثناء قترة انقطاع النفس مدى أربعة دقائق.
ولم تثبت البيانات المتوافرة حتى الآن مدى كفاءة الأسلوب المعدل لتحريض التخدير بالتتابع السريع مع التهوية المؤقتة بالضغط شديد الانخفاض كأسلوب بديل قابل للتطبيق، عند الرغبة في عمل التنبيب التقليدي عن طريق الفم في مثل تلك الحالات.
تدابير المجرى الهوائي
يجب دائماً مراعاة التغيرات الشديدة التي تحدث في الجهاز التنفسي في حالات السمنة المفرطة أثناء تدابير المجرى الهوائي. يعد ارتفاع خطر المضاعفات الرئوية وزيادة نسبة الإصابة بالجزر المريئي في هذه المجموعة من المرضى من العوامل الرئيسية التي تعزز تطبيق التنبيب الأولي المدعم بالألياف البصرية كأسلوب مفضل، وذلك من أجل زيادة الأمان للمريض من وجهة النظر التخديرية.
من الأسباب الأخرى التي تعزز تطبيق أسلوب التنبيب المدعم بالألياف البصرية صعوبة تطبيق التنبيب في حالات السمنة المرضية الشديدة. فقد ثبت أن نسبة حدوث المصاعب الغير متوقعة أثناء تطبيق أسلوب التنبيب التقليدي في حالات السمنة المرضية الشديدة تصل إلى 13% حيث يرتبط محيط العنق وحرز Mallampati Score من 3 أو 4 بصعوبة تطبيق التنبيب التقليدي. وعلى الرغم من ذلك، فلم يمكن حتى الآن التعرف الواضح على الحد الأقصى لمحيط العنق الذي يسمح بتطبيق التنبيب التقليدي دون توقع حدوث صعوبات.
وعلى ما يبدو أن منسب كتلة الجسم الذي يعادل 30 كجم/ متر مربع يمثل نقطة النهاية، حيث ترتفع نسبة حدوث الصعوبات أثناء التنبيب إلى ثلاثة أضعاف. وعند اختيار أسلوب التنبيب التقليدي عن طريق الفم والقصبة في مثل تلك الحالات على الرغم من توقع حدوث الصعوبات، فيجب التحضير لعمل أساليب تنبيب بديلة قبل الجراحة. هنا ثبت كفاءة قناع تنبيب الحنجرة ILMA وقناع الحنجرة ProSeal® كأدوات مناسبة للسيطرة على أي وضع طارئ قد يتعرض له المريض، وذلك حتى مع ارتفاع درجات Cormack & Lehane Grade أثناء تنظير الحنجرة المباشر. من المدهش أنه علاوة على ذلك ثبت سهولة استخدام قناع تنبيب الحنجرة ILMA في تلك الحالات عنه في المرضى ذوي الأوزان الطبيعية. قد يرجع هذا في المقام الأول إلى استقرار وضع القناع من خلال الدعم الذي يوفره المخزون المرتفع من الدهون في الجدران الجانبية للبلعوم.
يمثل القناع الجديد ILMA CTrach® تطويراً حديثاً لقناع تنبيب الحنجرة ILMA بعد إضافة نظام الألياف البصرية لمشاهدة الحنجرة والأحبال الصوتية وإمكانية إمداد الأكسجين. نجح استخدم هذا القناع الجديد بشكل متكرر في الحالات التي يرتفع فيها منسب كتلة الجسم ما بين 60 – 63 كجم/ متر مربع وتوقع الصعوبات أثناء التنبيب (Mallampti III واختزال المسافة بين الدماغ والدرقية).
من الأساليب الأخرى التي تطبق في التنبيب التقليدي عبر القصبة في الحالات المصابة بالسمنة المرضية الشديدة ادخال منظار القصبة أحادي الاستعمال الملفوف 180 درجة Aitraq® وحتى الحصول على وضع ملائم داخل الحنجرة ثم تدوير منظار الحنجرة إلى الوضع الطبيعي. يعمل هذا الأسلوب على سرعة وسهولة التنبيب في حالات السمنة المفرطة مقارنة بأسلوب التنبيب التقليدي باستخدام منظار الحنجرة، بينما لا يؤثر على صعوبة التنبيب في المرضى ذوي الأوزان الطبيعية.
المعالجة الدوائية
تختلف الحركيات الدوائية للكثير من المستحضرات في حالات السمنة المفرطة عنها في حالات الوزن الطبيعي. فيختلف مثلاُ حجم التوزيع مقارنة بالوزن الطبيعي حيث تمثل زيادة الدهون المرضية ما يقرب من 60% من زيادة الوزن المرضي، بينما تمثل كتلة الجسم الغت 20 – 40% فقط . تعرف كتلة الجسم الغت في حالة السمنة المرضية بوزن الجسم المثالي ( 22 × [طول الجسم ]2 + 20%) بناء على ذلك تنخفض نسبة كتلة الجسم الغت ونسبة الماء بالنسبة لوزن الجسم الكامل. بالإضافة إلى ذلك يزيد الحجم خارج الخلية في مرضى السمنة المفرطة ويرتفع كذلك مقدار النتاج القلبي حتى 25% من أجل تغذية كتلة الجسم الإضافية بالدم. كما يبدو أنه يحدث تأثير على ربط المستحضرات الدوائية بالبروتين. أما أليات الرئية التي تتعرض للتغير المرضي، فتؤثر على امتصاص المخدر المستنشق وعلى التخلص منه.. قد يحدث انخفاض في عملية التخلص من المخدر عند اجتماع كل هذه العوامل المختلفة ، وذلك بغض النظر عن كفاءة وظائف الكبد والكلية. بسبب زيادة تدفق الدم داخل الكلية، يظهر أولاً ارتفاع سرعة الترشيح الكبيبي وبالتالي زيادة التصفية الكلوية. ينطبق هذا فقط على الحالات التي لا تعاني من أمراض الكلية المزمنة المصاحبة بالبيلة البروتينية الشديدة.
يجب دائماً مراعاة مثل تلك المشكلات عند تحديد جرعة المستحضرات المستخدمة في التخدير. لا تختلف الحرائك الصيدلانية لمستحضرRemifentanil في حالات السمنة المفرطة كثيراً عنها في حالة الوزن الطبيعي، لكن تركيز مستحضر Remifentanil يرتفع بشكل شديد عند تحديد الجرعة طبقاً لوزن الجسم الكامل. لذلك يجب تحديد جرعة مستحضر Remifentanil حسب وزن الجسم المثالي وليس طبقاً لوزن الجسم الكامل.
يعتمد تحديد جرعة المستحضرات Fentayl, Sufentanil & Thiopental على وزن الجسم الكامل، أما جرعةPropofol لتحريض التخدير فيجب أن تحدد طبقاً لوزن الجسم المثالي، بينما تحدد جرعة مواصلة التخدير طبقاً لوزن الجسم الكامل.
أما فيما يتعلق بمستحضرات ارتخاء العضلات Succinylcholin, Atracurium & Cisatracurium فتحدد الجرعات طبقاً لوزن الجسم الكامل، وتحدد جرعات المستحضران Vecuronium & Rocurornium طبقاً لوزن الجسم المثالي. هذا ولا تتوافر حتى الآن أي بيانات خاصة بتحديد جرعة المستحضر Mivacurium مع أن التقارير المنشورة تنصح بتحديد الجرعة حسب وزن الجسم الكامل.
أما فيما يخص مواد التخدير المستنشقة، فلم تجرى حتى الآن دراسات وافية على حالات السمنة المرضية، لكن بالنظر إلى خصائص الإفاقة فيبدو أن مستحضرSevofluran أفضل من مستحضر Isofluran.
وقد أثبتت الدراسة التي أجراها Juvin et al. على مجموعة من المرضى يرتفع فيها منسب كتلة الجسم عن 44 كجم/ متر مربع حدوث النقاهة السريعة ونسبة ضئيلة من انخفاض التأكسج التالي للجراحة، واسترداد الحركة بشكل أفضل عند استخدام مستحضر Desfluran مقارنة بمستحضر Isoflura أو مستحضر Propofol في التخدير.
وأظهرت الدراسة التي أجراهاDe Baerdmaeker et al. استقرار ديناميكا الدم وتحسن العوامل المتغيرة أثناء الإفاقة في حالات السمنة المفرطة بعد استخدام مستحضر Desfluran مقارنة باستخدام مستحضر Sevofluran في التخدير، ومع ذلك لم تثبت الدراسات التي أجراها آخرين ذلك.
تشير بياناتنا الخاصة بعد تخدير 145 مريض أثناء جراحة تطويق المعدة التنظيرية إلى ظهور مميزات متعددة لأسلوب التخدير الذي يجمع بين التخدير باستنشاق مستحضر Desfluran وحقن المخدر Remifentanil داخل الوريد ( دراسة Gervais et al.) تعرضت ثلث هذه الحالات إلى فترات من انخفاض ضغط الدم أثناء التخدير، والذي من المعتقد أنه يرجع إلى استلقاء المريض في وضع مضاد لوضع Trendelberg الذي تطلبه الجراحة. كما أدى استرواح الصفاق وارتفاع الضغط داخل البطن حتى 15 مم زئبق إلى زيادة انخفاض ضغط الدم. هذا وقد أشر عدد من المؤلفين الآخرين إلى حدوث تغيرات مشابهة في ديناميكا الدم عند استخدام مستحضري Sevofluran أو Desfluran في التخدير.
الخلاصة
تتعرض الحالات المصابة بالسمنة المرضية إلى ارتفاع شديد في احتمالات المضاعفات. بالإضافة إلى الحاجة إلى وضع خطة دقيقة لتدابير المجرى الهوائي قبل الجراحة، يعتبر اختيار أسلوب التخدير من الإجراءات الهامة في التخدير. هذا ونفضل دائماً لدينا في المستشفىتطبيق أسلوب التنبيب عبر الأنف المدعم بالألياف البصرية عن أسلوب تحريض التخدير بالتتابع السريع من أجل توفير أقصى درجات الأمان للمريض. عامة نحرص على تطبيق أسلوب معياري يجمع بين مستحضري Desfluran و Remifentanil (تحدد الجرعة حسب وزن الجسم المثالي وليس حسب وزن الجسم الكامل). من ناحية أخرى ننصح بعدم تطبيق أسلوب التخدير التقليدي مع التهوية المؤقتة عبر قناع الوجه في مثل تلك الحالات وذلك من أجل توفير أقصى درجات الأمان للمريض.



